الأبشيهي

547

المستطرف في كل فن مستظرف

وأما القيافة : فهي على ضربين قيافة البشر وقيافة الأثر . فأما قيافة البشر فالاستدلال بصفات أعضاء الإنسان وتختص بقوم من العرب يقال لهم بنو مدلج يعرض على أحدهم مولود في عشرين نفراً فيلحقه بأحدهم . وحكي : عن بعض أبناء التجار أنه كان في بعض أسفاره راكباً على بعيره يقوده غلام أسود فمر بهؤلاء القبيلة فنظر إليه واحد منهم وقال : ما أشبه الراكب بالقائد قال : ولد التاجر فوقع في نفسي من ذلك شيء فلما رجعت إلى أمي ذكرت لها القصة فقالت : يا ولدي إن أباك كان شيخاً كبيراً ذا مال وليس له ولد فخشيت أن يفوتنا ما له فمكنت هذا الغلام من نفسي فحملت بك ولولا أن هذا شيء ستعلمه غداً في الدار الآخرة لما أعلمتك به في الدنيا . وأما قيافة الأثر فالاستدلال بالأقدام والحوافر والخفاف وقد اختص به قوم من العرب أرضهم ذات رمل إذا هرب منهم هارب أو دخل عليهم سارق تتبعوا آثار قدمه حتى يظفروا به . ومن العجب أنهم يعرفون قدم الشاب من الشيخ والمرأة من الرجل والبكر من الثيب والغريب من المستوطن . ويذكر أن في قطبة وثغر البرلس أقواماً بهذه الصفة وقد وقعت من قريش حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار على صخر صلد وأحجار صم ولا طين ولا تراب تبين فيه الأقدام فحجبهم الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من نسيج العنكبوت وما لحق القائف من الحيرة وقوله إلى هاهنا انتهت الأقدام . هذا ومعهم الجماعة من قريش أبصارهم سليمة ولولا أن هناك لطيفة لا يتساوى الإنسان فيها يعني في علمها لما استأثر بعلم ذلك طائفة دون أخرى . وقيل القيافة لبني مدلج في أحياء مضر . واختلف رجلان من القافة في أمر بعير وهما بين مكة ومنى فقال أحدهما : هو جمل وقال الآخر : هي ناقة وقصدا يتبعان الأثر حتى دخلا شعب بني عامر فإذا بعير أقف فقال أحدهما لصاحبه : أهو ذا قال : نعم فوجداه خنثى فأصابا جميعاً . ومنهم من كان يخط الرمل في الأرض ويقول فيوافق قوله ما يأتي بعده . وقال رجل شردت لي إبل فجئت إلى خراش فسألته عنها فأمر بنته أن تخط لي في الأرض فخطت ثم قامت فضحك خراش ثم قال : أتدري قيامها لأي شيء قلت : لا قال : قد علمت أنك تجد إبلك وتتزوجها فاستحيت ثم خرجت فوجدت إبلي ثم تزوجتها . وخرج عمرو بن عبد الله بن معمر ومعه مالك بن خراش الخزاعي غازيين فمرا بامرأة وهي تخط للناس في الأرض فضحك منها مالك هزواً وقال : ما هذا فقالت : أما والله لا تخرج من سجستان حتى تموت ويتزوج عمرو هذا زوجتك فكان كما ذكرت . وأما الزجر والعرافة : فأحسنه ما روي أن كسرى أبرويز بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث زاجراً ومصوراً فقال للزاجر انظر ما ترى في طريقك وعنده وقال للمصور ائتني بصورته فلما عاد إليه أعطاه المصور صورته صلى الله عليه وسلم فوضعها كسرى على وسادته ثم قال للزاجر : ماذا رأيت قال : ما رأيت ما أزجر به إلا أنه سيعلو أمره عليك لأنك وضعت صورته على وسادتك . وبعث صاحب الروم إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسولاً وقال له : انظر إليه ومل إلى جانبه وانظر إلى ما بين كتفيه حتى ترى الخاتم والشامة فقدم الرسول فرأى النبي صلى الله عليه وسلم على نشز عال واضعاً قدميه في الماء وعن يمينه علي رضي الله عنه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : تحول فانظر ما أمرت به فنظر الرسول فلما رجع إلى صاحبه أخبره الخبر فقال ليعلون أمره وليملكن ما تحت قدمي فتفاءل بالنشز العلو وبالماء الحياة . وقال المدايني وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان حين أتاها فخرج هارباً ونزل